الخميس، 24 مارس 2022

( الفيس بوك ) كسلاح اجتماعي

 

( الفيس بوك ) كسلاح اجتماعي

يوسف أحمد الحسن

 

لا يمكن للمصلحين وأصحاب الرسالات الاجتماعية الجمود على الأساليب القديمة في التغيير والإصلاح .. فبينما تتطور أساليب الإغواء والإفساد ، فإنه ينبغي أن يواكب ذلك تطور في أساليب مقاومتها . ومن هذه الأساليب الاستفادة من التطور الكبير في عالم الشبكة العنكبوتية ..

وتعتبر مواقع الشبكات الاجتماعية -  التي ظهرت في السنوات الأخيرة - واحدة من أقوى الجوانب التي يمكن الاستفادة منها .. فهذه المواقع التي تهدف إلى تعزيز الروابط الاجتماعية بين الناس عبر الإنترنت ، وجدت لها شعبية كبيرة فاقت الكثير من الجوانب الأخرى في ذلك العالم . ومن أهم هذه المواقع موقع الفيس بوك  Facebook الذي بدأ بتأسيسه الطالب الجامعي (مارك جوكربيرج )  بهدف توثيق العلاقات بين طلاب جامعة هارفارد الأمريكية ، ثم ما لبث أن توسع إلى جامعات أخرى في الولايات المتحدة ، ثم إلى عامة الناس ، حتى وصل عدد المشتركين فيه إلى 300 مليون مشترك ، وهو ما يفوق عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية .

وتتلخص فكرة موقع ( فيس بوك ) في أن المشترك فيه يكتب معلومات عن نفسه مرفقا بها صورته وجانبا من جوانب حياته كدراسته أو عمله ، ثم يقوم بدعوة مجموعة من أصدقاءه للانضمام إليه كأصدقاء على ذلك الموقع . ومع انضمام أي شخص لآخر كصديق ، يمكنه أن يتعرف على أصدقاء ذلك الشخص على الموقع . وهكذا فإن لجميع أصدقاء مشترك ما أن يتعرفوا على بعضهم البعض ( طبعا إن رغبوا في ذلك ) ، كما يمكن للأصدقاء تبادل الأخبار والمعلومات والأحداث فيما بينهم ، والتشارك في بعض المناسبات . ويمكنهم كذلك كتابة أفكارهم وانطباعاتهم على ما يسمى ( حائط الكتروني ) يمكن للآخرين قراءته ، وإبداء الإعجاب به أو التعليق عليه . ومن خصائص هذا الموقع كذلك أنه يمكن لأي عدد من المشتركين أن يتكتلوا فيما بينهم فيما يسمى ( مجموعات ) تكون مهتمة بموضوع ما ، ويقومون بدعوة آخرين للانضمام إليها . وتتناسب أعداد الملتحقين بمجموعة ما طرديا مع أهمية وشعبية موضوع المجموعة . ومع ازدياد مشتركي الإنترنت في العالم العربي ازداد عدد المشتركين في الموقع عربيا ، وازدادت معه أعداد المجموعات العربية والتي تنوعت من مجموعات ذات اهتمامات تافهة إلى أخرى ذات أهداف اجتماعية وسياسية .

ولذلك فإنه يمكن استغلال هذه الميزة في الموقع ودعوة الآخرين للانضمام إلى المجموعات ذات الأهداف السامية والكتابة عن القضايا الاجتماعية في صفحات – أو على حيطان - تلك المجموعات . فيمكن مثلا تأسيس مجموعة لمحاربة ظاهرة اجتماعية سيئة ، ودعوة مشتركي الموقع للانضمام إليها ، وكتابة آرائهم حول أسباب هذه الظاهرة وسبل التخلص منها ، أو قراءة ما يكتبه الآخرون عنها . كما يمكن تأسيس مجموعة للتشجيع على الظواهر الإيجابية مثل القراءة والنظافة والتعاون ومواصلة التعليم العالي . ومن المجموعات العربية الإيجابية على موقع ( فيس بوك ) مجموعة ( كتابي كتابك ) التي تهدف إلى تجميع الكتب الزائدة عن الحاجة في العالم العربي وتوجيهها إلى من يحتاجها . وهناك عشرات المجموعات العربية المتخصصة ( مثلا ) في محاربة الفقر والجهل والتحرش الجنسي والذي فاق عدد أعضاءه الآلاف الثمانية . وهناك عشرات بل مئات المجموعات داخل الموقع في مختلف التوجهات الثقافية والاجتماعية والسياسية المتنوعة ، والتي يمكن لكل من لديه بريد الكتروني أن ينضم إليها ، أو يمكنه أن يؤسس مجموعات جديدة ترضي ميوله ويدعو الآخرين إليها . وعليه فإن الفيس بوك الذي أسس لأهداف محدودة تحول إلى أداة يمكن لمن يستثمرها أن يحدث التغيير الذي ينشده في مجتمعه المحلي الصغير أو القرية العالمية .

وقد تم تصميم الموقع بحيث يمكن تأسيس المجموعات فيه بخطوات سهلة ومعدودة ، كما يمكن الانضمام إلى أي مجموعة بضغطة واحدة من فأرة الحاسب والإطلاع على موضوعات المجموعة والكتابة فيها .

هل الحكومة الإلكترونية مجرد حواسيب ؟

 

هل الحكومة الإلكترونية مجرد حواسيب ؟

يوسف أحمد الحسن

 

يتم الحديث بين الفينة والأخرى عن الحكومة الإلكترونية وضرورة تطبيقها في مختلف الإدارات الحكومية في المملكة .. لكن الحديث يتركز على الجانب التقني من الموضوع وهو جانب التجهيزات الإلكترونية من أجهزة حواسيب وملحقاتها وبنية تحتية للاتصالات .

لكن هناك جانبا آخر للقصة ألا وهو الجانب الإداري أي القوانين واللوائح المنظمة لعمل الحكومة الإلكترونية والخطوات الإجرائية لإدارة الأعمال الحكومية والتعامل مع المراجعين الكترونيا .. فعندما تكون عقلية المدير تقليدية وقد اعتاد على النظم البيروقراطية والروتين القديم لسنوات طوال ، فإنه يصعب عليه الانتقال إلى أسلوب آخر كالأساليب الإلكترونية . ولذلك فإننا نلاحظ انه وبعدما تم ( مثلا ) تطبيق إرسال التعاميم في بعض الوزارات عبر البريد الإلكتروني بدلا من إرسالها يدويا عبر مراسل ، لم تجد تلك الدوائر بدا من طباعة تلك التعاميم وتوزيعها على الموظفين بأعدادهم وأخذ تواقيعهم على استلامها . وفي هذا المثال نجد أن جل ما تحقق في الموضوع هو توفير الجهد على المراسل العادي الذي كان يتكفل بإيصال تلك التعاميم إلى مختلف الإدارات الحكومية ، ولم يتم هنا حتى توفير أوراق الطباعة .

إنه ورغم أهمية الجانب التقني في الموضوع إلا أن الجانب الآخر ( وهو الإداري ) إذا لم يتغير عبر قوانين ولوائح تفصيلية فان النتيجة لن تتغير ، بل ربما تزداد سوءا وذلك بخسارة توفير أعداد كبيرة من أجهزة الحواسيب التي لن تبقى سوى 3 إلى 4 سنوات حتى تصبح قديمة ويجب تبديلها بما هو أحدث منها .

إن من النقاط ذات الأهمية الجوهرية كذلك في الحكومة الإلكترونية هو تدريب الموظفين ( والكبار منهم بالضرورة ) على استخدام التقنية الحديثة وقبلها إقاعهم بها لأن أهم عائق يقف أمام تطبيق نظم الحكومة الالكترونية هو حالة الرفض لها . والرفض قد لا يعني عصيان الأوامر باستخدامها مثلا ، بل هو العزوف النفسي عنها وعدم الاقتناع بها .

نحو استثمار في المعلوماتية

 

نحو استثمار في المعلوماتية

يوسف أحمد الحسن *

عندما يفقد بلد ما الموارد الطبيعية للثروة ، فهو أمام خيارين إما أن يستسلم للفقر فيستجدي دولا غنية من أجل استنقاذه منه ، أو أن يفكر في استثمار عقول أبنائه من أجل النهوض ووضع نفسه على سكة الأمم المتحضرة ..

وفي السنوات الأخيرة برزت إحدى البوابات الهامة لاستنقاذ الأمم الفقيرة من فقرها حتى مع جدب الموارد الطبيعية لديها ، ألا وهي بوابة المعلوماتية .. فهذه البوابة التي لها جانبان : الأول تصنيعي وهو المرتبط بصناعة قطع الكمبيوتر ومعداته ، وهو جانب على أهميته ، فهو بحاجة إلى بعض المواد التصنيعية الأولية ورؤوس أموال قد لا تتوفر بسهولة لدى بعض الدول ، كما أنها بحاجة إلى معرفة تكنولوجية عالية وبنية تحية قوية . أما الجانب الثاني فهو الجانب البرمجي والذي يحتاج إلى إعداد عقول وتوظيفها التوظيف المناسب .. وهذا الإعداد يحتاج إلى مناهج دراسية مناسبة ومعاهد لإعداد هذه العقول تعلمهم عدة مهارات كمهارة البرمجة والتعامل المحترف مع الحواسيب وتقنيات الإنترنت .. وهي علوم لا تأخذ من الوقت الكثير لتعلمها ، كما أنها لا تتطلب رؤوس أموال عالية ..

وقد تمكنت بعض دول العالم من التنبه لهذه البوابة الهامة حيث انتشلت نفسها من قعر الفقر .. ومن هذه الدول الهند ، الدولة التي مهما زادت مواردها الطبيعية فإنها بحاجة دائمة للمزيد من أجل إطعام أكثر من مليار بطن .

وقد توجهت الهند لهذا الأمر مبكرا واستطاعت أن تقفز بصادراتها البرمجية ومن منتجات تقنيات المعلومات بشكل عام من 150 مليون دولار في العام 1991-1992 ، إلى 5.7 مليار دولار في العام 1999 – 2000م ، إلى أضعاف هذا الرقم حاليا . وبلغت نسبة نمو سوق البرمجيات فيها 50% سنويا ، وشكلت نسبة هذه الصادرات 35% من مجموع صادراتها . كما استطاعت أن تضخ أكثر من 60000 مبرمج سنويا إلى سوق البرمجيات العالمي في كل من اليابان والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة . ويجد عشرات آلاف الهنود يعملون حاليا في الهند ، لكن لحساب شركات أميركية ، حيث تبقيهم الشركات الأميركية في الهند لتوفر على نفسها نفقات النقل والسكن . ويقوم هؤلاء إما ببرمجة أجهزة الحاسبات ، أو بخدمة العملاء في أنحاء العالم هاتفيا عبر الإنترنت وهم في الهند .

إن هذه الصناعة تشكل منجما هاما من مناجم العلم والثروة التي يمكن لأي شعب أن ينقب فيها ، ولا يوجد شك في أنه سوف يكتشف ثرواتها إذا ما توافرت الإرادة والقدرة والتخطيط السليم ، خاصة أن الحاجة العالمية للمبرمجين وحدهم يزيد على المليونين حاليا .. ولذلك فإن التوجه نحو هذا الجانب من قبل المؤسسات التعليمية الرسمية منها والأهلية السعودية ، أصبح أكثر أهمية ، فضلا عن جدواه الاقتصادية . كما أننا ندعو أبنائنا خريجي الثانوية العامة في المملكة إلى التوجه نحو هذه التخصصات الهامة والتي لا يحتاج بعضها أحيانا سوى إلى جهاز حاسب واتصال بالإنترنت .

عيد أشمل .. عيد أفضل ..

 

عيد أشمل .. عيد أفضل ..

يوسف أحمد الحسن

 

يقال بأن للفرح والسعادة إشعاع خاص يمكن أن يتسلل وينتشر من شخص إلى آخر بدون استئذان ، بل إنه يمكن أن يغمر منزلا بالكامل حتى إذا لم يظهر أحدا من سكانه الفرح أو السعادة . ويسمي البعض ذلك ( الهالة ) وهي تلك الطاقة ( موجات كهرومغناطيسية ) أو الشعور الذي يُحيط بالفرد من فرح أو حزن أو سعادة أو شقاء . هذا ما يقوله بعض المتخصصون في العلوم النفسية أو في علوم الطاقة . ولذلك فإنه وكلما انتشر الفرح والسعادة والسرور في مكان ما كلما ازداد الشعور به لدى المتواجدين في ذلك المكان ، حتى لو لم يكن هناك دافع حقيقي لتلك المشاعر .

هذه المقدمة رأيتها ضرورية لأدخل إلى موضوع العيد والشعور بالسعادة والفرح فيه . حيث نجد أن هناك من يرى بأن الاستمتاع بالعيد هو للصغار فقط ، أو للخالين من المشاكل .. وهي مقولة تنتشر بين البعض عندما تتراكم لديهم الهموم والمشكلات فيتخيلون بأنهم أبعد ما يكونون عن السعادة والهناء وراحة البال أو أنهم قد أخذوا قسطهم من فرحة العيد في أوقات سابقة من حياتهم . لكن الأمر يبدو مختلفا من وجهة نظر الكثيرين خاصة المتفائلين منهم . فالعيد وجد للجميع وللجميع أن يستمتع به دون فارق بين أحد . وفي تعريف العيد بأنه سمي كذلك لأنه يعود علينا كل عام بفرحة جديدة ، ولأن الناس فيه يعود بعضهم بعضا .  

وفي الشريعة الإسلامية هناك دعوة لأن يكون العيد للجميع عبر بعض التشريعات التي تدفع إلى ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر . منها أن الإسلام أوجب وبعد الانتهاء من الصيام دفع زكاة الفطر للمستحقين ، وذلك من أجل رسم الفرحة والسعادة على وجوه الجميع دون فرق .  فالفقير يفرح بالمساعدات التي يحصل عليها ، والغني يفرح بتقديمه ذلك للفقراء . كما أن الإسلام أيضا أكد على استحباب ذبح الأضاحي في عيد الأضحى وتوزيع لحومها على الفقراء من أجل أن يكون العيد للجميع ، ومن أجل تحقيق مبدأ ( التكافل الاجتماعي ) .

ويعود ذلك إلى أن الشعور بالسعادة مثل أكثر المشاعر الإنسانية هي مشاعر جماعية ، تتزايد وتتعاظم إذا ما توسعت مساحاتها وتحولت إلى جماعية . فالواحد منا يشعر بالسعادة أحيانا عندما يرى حتى أناسا لا يعرفهم يبتسمون ويضحكون ، والعكس بالعكس قد تنقبض نفسيته إذا ما شاهد مظاهر للحزن لديهم . وقد تنبه إلى هذا بعض منتجي المسلسلات الأجنبية الكوميدية الذين قاموا بإضافة أصوات أناس يضحكون إليها ، وذلك حتى يستدرجوا الضحك والابتسامة من المشاهدين .

ولذلك فإننا وعندما ننشر مظاهر العيد والفرح بين الناس ، ونتنصل من مشاعر الأنانية عبر مزيد من التواصل والتراحم والتكافل الاجتماعي ، فإن ذلك سوف يعود علينا بمزيد من الفرح والسعادة ، وهو ما سنقوم به نحن أيضا بدورنا للآخرين شئنا أم أبينا ..

فإلى مزيد من الفرح السعادة والتمتع بمظاهر العيد صغارا وكبارا ، أغنياء وفقراء حتى تتحقق المقاصد الحقيقية للعيد . فبالتأكيد إن عيدا أشمل هو عيد أفضل .

تاريخ المسحوقين التاريخ الشفهي

 

تاريخ المسحوقين.. التاريخ الشفهي

يوسف الحسن

يعتبر التاريخ الشفهي أحدَ الروافد الهامَّة في التاريخ البشري؛ فهذا النوع من التاريخ يُعرَف بأنه:  (تسجيل وحفظ وتفسير المعلومات التاريخية لأشخاص مهمِّين، أو أشخاص عاصروا أحداثًا هامَّة اعتمادًا على خبراتهم الشخصية، أو ما سمعوه من أحداث)، أو بمعنى أشمل؛  إنه التاريخ المروي عن الآخرين.

ورغم تأخُّر الاهتمام بهذا الجانب لحقب تاريخية طويلة، إلا أن التطورات العلمية والتقنية – خاصة أجهزة التسجيل والحاسبات بأنواعها - ساهمت في إعطائه دفعًا مهمًّا وتطويره خلال العقود الأخيرة.

وحسب التاريخ المكتوب للبدايات المسجلة للتاريخ الشفهي، فقد كانت جامعة كولومبيا السبَّاقة في هذا المجال في عام1948م حين أطلقت مشروعًا لتدوين التاريخ الشفهي لمجموعة من الشخصيات الأمريكية؛ بتسجيلهم على أشرطة تسجيل، وذلك على يد المؤرخ في الجامعة (الان نيفنز)، وقد سبق جامعة كولومبيا إدارة رسمية  أمريكية في عام 1935م سميت  Work Progress Administration  (إدارة تطوير الأعمال)، حيث قامت بإرسال مجموعات من المحاورين لعمل جولات ميدانيَّة على الناس وطرح أسئلة عليهم حول موضوعات محددة؛ مثل الحرب الأهلية الأمريكية، والعبودية في أمريكا، لكنَّ البعض لا يعتبر هذه الإدارة من مؤسسي -أو رواد- التاريخ الشفهي على اعتبار أهدافها الأساسية كانت بعيدة عن تدوين التاريخ الشفهي نفسه؛ فقد كانت تهدف -بين أمور أخرى- إلى المساهمة في حل مشكلة الكساد الاقتصادي التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الأولى.

وفي خمسينات وستينات القرن العشرين قام عدد من المؤرخين البريطانيين بتسجيل جانب من التاريخ الشفهي للطبقة العاملة، ثم تم إنشاء جمعية التاريخ الشفهي البريطانية في سبعينات ذلك القرن على يد  بول طومسون.

كما قام الأمريكيون بتأسيس جمعية التاريخ الشفهي في العام 1967، وقبل هؤلاء -في عام 1942م- قام أحد المؤرخين، وهو (جوزيف غولد) بعملية جمع التاريخ الشفهي لذلك الزمان، ورغم أنه لم يقم بإنتاج أو نشر هذا التاريخ إلا أنه أعطى نوعا من الشعبية والانتشار لمصطلح التاريخ الشفهي.

وقد عانى المهتمون بهذا النوع من التأريخ من مقاومة أو رفض له من قبل عدد من الأكاديميين والمؤرخين لأسباب ليس أقلها أهمية عدم وجود سند تاريخي تقليدي له؛ فقد اعتاد المؤرخون على نمط معين من المنهجية في بحوثهم المرجعية كالإشارة إلى كتاب تاريخي، أو مجلة أو موسوعة للإشارة إلى حدث ما، مع ذكر التفاصيل التوثيقية المعتادة في هكذا موارد.

واعتبر بعضهم أن الاعتماد  على مراجعَ شفهيَّةٍ خروجًا على ما اعتادوا عليه، وعلى المسار العلمي في الجانب التوثيقي للتاريخ، وهناك من قال بأنه يمكن قبول ما يتم تدوينه من التاريخ الشفهي كمصدر مساعد أو مكمل،  وليس أساسيًّا في كتابة التاريخ. كما كان هناك من حصر الاعتماد عليه في تدوين المجتمعات البدائية أو الأمية أو تاريخ الأقليات أو في تدوين الفولكلور الشعبي لا أكثر، أو في حال فقدان الوثائق الأصلية لحدث ما.

كما إن هناك من تقبَّل تدوين التاريخ الشفهي، لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام قبول أو رفض أي من الروايات التاريخية المنقولة شفهيًّا، ونحاول - في هذه السطور - مناقشة بعض هذه الإشكالات:

أولاً- إن معظم كتب التاريخ المدونة والمنشورة هي شفهيَّة في الأساس، لكنها تحولت إلى مدونة، بعد قيام أصحابها بتسطيرها وتحويلها إلى مشاريع كتب أو مؤلفات بعد أن قاموا بجهود كبيرة لالتقاط معلوماتها من أفواه الناس -أو كانوا شهودًا على بعض أحداثها في حالات أخرى- ليحولوها إلى كتب تاريخية.

وليس من الصحيح أن  جميع المؤرخين قد عاصروا أو حضروا -بشكل شخصي ومباشر- جميع الروايات التاريخية التي كتبوا عنها. وما أسلوب (العنعنة) الذي كان، ولا يزال، مُتَّبعًا في كثير من كتب التاريخ العربية إلا مثالاً جليًّا لذلك.

ثانياً- إن جزءًا كبيرًا من التاريخ الحقيقي للأمم هو في الجانب الشفهي - والذي يهمله الكثير من الكتاب الذين حصروا التاريخ في الجنبة السياسية لا أكثر - عبر تركيزهم على تاريخ الحكام، والخلفاء، ورؤساء الدول، والأمم السابقة واللاحقة، وما يدور حولهم من أحداثٍ سياسية، أو حروب ومعارك، ولا يقومون برصد أو توثيق ومعالجة ما يدور داخل المنازل والأحياء، أو فيما بين الناس وداخل المجتمعات، أو ما يُسمَّى، حديثًا، (الشوارع الخلفية).

إن هذا الجانبَ من التاريخ لا يمكن التقليل من أهميته، بل إنه قد يمثل، أحيانًا، التاريخ الحقيقي للأمم، وقد يكون تدوينًا لبداية إرهاصات التغييرات المهمة التي تعصف بالمجتمعات، أو الحروب، والأحداث الكبيرة التي مرَّت بالعالم في مختلف حِقب التاريخ.

إن هذه النوعية من المعلومات لا يمكن الحصول عليها من قصور الخلفاء، ورؤساء الدول، والقادة التاريخيين، بل تختبئ في أفئدة سكان العشش، وبيوت الصفيح، أو من يُسمَّون المسحوقين الذين قد لا يلتفت إليهم أحد، والذين قد يُشكِّلون الوقودَ الحقيقيَّ لبعض الثورات، أو الانتفاضات، أو التغييرات الكبرى في التاريخ البشري، وإهمال توثيق رواياتهم الشفوية سوف يشكل نقصًا في هذا التاريخ.

ثالثاً- إن هناك قسمًا من الشعوب، أو المجتمعات - والذين يُسمَّون (المحجوبين عن التاريخ)، لا تستطيع كتابة تاريخها بنفسها لعدة أسباب منها البدائية التي تعيشها، أو الأمية التي تطغى عليها، أو طبيعة الأعمال التي تقوم بها؛ كعمال المناجم، والبسطاء من المزارعين، وقاطعي الأشجار، أو الحرفيين التقليديين، ولذلك فإن هذا التاريخ الشفهي يسهم في توثيق هؤلاء، ويكشف للبشرية جوانبَ ربما تبقى غائبة عن الوعي التاريخي لولا التاريخ الشفهي.

رابعاً- حتى مع ضعف موثوقية التاريخ الشفهي للأمم، أو حتى انعدامها؛ فإنه ينبغي ترك المجال مفتوحًا للجميع للإدلاء بآرائهم، وسرد طريقة روايتهم للأحداث التي عايشوها، مع فسح المجال للآخرين للرد عليهم، وهذه المنهجية تسهم في تمحيص وإظهار رؤية دقيقة وشاملة لمختلِف الأحداث التاريخية، فحتى مع ظهور بعض الروايات غير الصحيحة لبعض الأحداث؛ فإن ذلك ينبغي أن يدفع الباحثين للبحث في دوافع هؤلاء لإظهار أقوالهم تلك.

كما يمكن اعتبار تضارب الروايات حول حدثٍ مَّا نوعًا من تضارب المصالح، وانعكاسًا لصراع من نوعٍ مَّا؛ كالصراع الطبقي، أو العرقي، أو القومي، أو الإقليمي في حقبة تاريخيةٍ مَّا، وهذه - بحد ذاتها - جزءٌ من التاريخ الذي يجب أن يكتب.

إن لدينا -في تاريخنا العربي- من المسلمات ما تمَّ التشكيكٌ فيه بشكلٍّ كامل، وهو ما لم يقلِّل من أهميته، وقيمته، وأبرز مثال على ذلك التشكيك الذي حصل للشعر العربي الجاهلي، ونسبته إلى قائليه كونه يقع تحت تصنيف التاريخ الشفهي لفترة زمنية محدَّدة على الأقل.

خامساً- يشكك البعض في مدى موثوقية التاريخ الشفهي من ناحية تذكر - أو عدم تذكر - رواتها للأحداث بتفاصيلها؛ فالتاريخ الشفهي مرتهنٌ، إلى حدٍّ كبيرٍ، بالذاكرة الشخصية للراوي، أو الرواة؛ حيث التناسب العكسي الذي غالبًا مَّا يحصل بين الفاصل الزمني الذي يفصل الحدث، ووقت رواية الحدث، ودقة الرواية، وهذا الإشكال حقيقي حتى بالنسبة للأحداث القريبة فكيف بالبعيدة؟

كما إنه وارد جدًّا حتى للمؤرخين، وكتاب التاريخ الذين يؤرخون لأحداث عاشوها أو سمعوا بها.

إن الكثير من الأحداث التاريخية لم يتمَّ توثيقها، أو تدوينها لأسباب متعددة؛ قد يكون منها خوف الناس من تأريخ تلك الفترة، أو حتى مجرد الحديث عنها بسبب ظروف قمعية معينة يعيشها الناس، أو يتصورونها في أذهانهم على الأقل لفترة زمنية معينة، حتى تتغير الظروف السياسية لديهم، مما يشجعهم على الحديث الصريح عن تلك الحقبة.

كما إن وقوع الحروب والتخريب والتدمير المتعمد، أحيانا، يتسبب في اندثار الكتب، والمؤلفات، والوثائق عن تلك الفترة، ويأتي التاريخ الشفهي ليحل هذه الإشكالية، ويسدَّ هذه الثغرة في التاريخ البشري.

إن التقليل من أهمية التاريخ الشفهي قد يخرجنا من إشكالية الثقة فيه، ليقحمنا في إشكاليات أخرى قد تكون أخطر، ومنها الاعتماد على روايات الرحالة الأجانب الذين كانوا يجوبون بلاد العرب في فترات الانحطاط التاريخي، مع ما يخالط هذه الروايات من نواقص، وسلبيات وأخطاء حتى في ذكر أسماء المدن والقرى والبلدان العربية.

وعندما نتحدث، بشكل علمي، فإنه لا يمكننا التقليل من أهمية هذا النوع من التاريخ ما دام موجودًا، مع الأخذ بتقاليد وأدوات وإجراءات ومعايير هذا النوع من التاريخ، وهي أمور يتم تطبيقها حاليًّا في الغرب، وتم الاتفاق حتى على إجراءات حقوق الملكية الفكرية لهذا النوع من التاريخ

نعم يجب أن تخضع روايات التاريخ الشفهي للتمحيص والغربلة، لكن لا يحسن الحطُّ من أي رواية أو قصة تاريخية، شفهية كانت أو مدونة، ومهما قل شأن من قام بذكرها، أو أهميتها في السياق التاريخي العام، وذلك حفظا لها من أن تُمحى من ذاكرة الزمن، وحفظًا لحقوق المسحوقين، أو المحجوبين عن التاريخ.

أهمية المنتديات الثقافية في المملكة

 

أهمية المنتديات الثقافية في المملكة

يوسف أحمد الحسن* 

تعتبر المنتديات الثقافية من أهم المنابر الثقافية في المملكة كونها مرآة حقيقية لنبض الشارع الإجتماعي في ظل ضعف أو انعدام المنابر الأخرى . وقد حصلت في السنوات الماضية زيادة في عددها وتطور في طبيعة نشاطاتها إلى حد ملفت . ونحاول هنا أن ندرس أسباب ذلك ، والأهمية التي تحظى بها في المجتمع السعودي .

 

تعريف : المنتديات الثقافية – وتسمى أحيانا الصالونات الثقافية أو الأدبية – هي أماكن يجتمع فيها مجموعة من المثقفين - أو من هم على طريق الثقافة – لتداول موضوعات عامة بشكل جماعي . وعادة ما تدار المنتديات بطريقة أن يتم تحديد محاضر يتحدث حول موضوع معين متفق عليه مسبقا ، ثم يقوم الحضور بطرح الأسئلة والنقاشات حول ذلك الموضوع . كما أن العادة جرت في المملكة على أن يعقد المنتدى في منزل أحد المثقفين أوالوجهاء والذي يتكفل بالتكاليف المادية للمنتدى ، رغم أن بعض أصحاب المنتديات قد قام ببناء مباني خاصة بالمنتديات . وتتفاوت المنتديات من حيث كونها أسبوعية أو شهرية أو حتى فصلية ودورية حسب إمكانيات صاحب المنتدى واستعداد الجمهور للتواصل معها . كما تتفاوت أعداد الحضور من أقل من عشرة أشخاص إلى بضع عشرات منهم . أما الموضوعات المطروحة فهي إما أن تكون أدبية تتناول قضايا الأدب والشعر قديما وحديثا ، أو قضايا ثقافية متنوعة ، أو قضايا علمية وطبية وظواهر اجتماعية أو حتى قضايا سياسية .

وليست المنتديات بدعا في مجتمعاتنا العربية ، فقد كان لها دور كبير في الحياة الثقافية والأدبية وحتى السياسية في مختلف مفاصل الحياة السياسية في العالم العربي منذ العهود العربية الأولى في الدولة العباسية وحتى اليوم . وقد كانت تتلون بألوان شتى تتناسب والمرحلة التي تقام فيها ، كما أنها كانت تتألق أو تخبو حسب ما يتاح لها من حرية وما يسمح به الظرف السياسي والإجتماعي . 

 

أسباب نمو المنتديات الثقافية :

تعزى أسباب نمو المنتديات الثقافية في المملكة العربية السعودية إلى عدة أسباب نذكر منها :

أولا : قلة الخيارات الأخرى الثقافية فيها . ففي الدول الأخرى هناك مسارح ( مثلا ) وسينما وصالات ترفيهية متعددة الأغراض ، لكنها غير موجودة في المملكة لأسباب دينية أو اجتماعية أو تمويلية . ولذلك فإن بعض المواطنين في بعض مدن المملكة يحار في الأماكن التي يقضي فيها أوقات فراغه . فيضيعها البعض في الأسواق والمجمعات التجارية أو في الحدائق العامة – إن وجدت – أو في خارج المملكة في أيام العطل الرسمية . نعم يوجد في بعض مدن المملكة فروع للنوادي الأدبية وجمعيات للثقافة والفنون لكن نشاطاتها محدودة ومقتصرة على أيام محدودة في السنة ولا يمكن مهما ازداد عدد أيام عقدها أن تسد حاجة الناس للمناسبات الثقافية . كما أن بعض المثقفين يعتبرون ان موضوعات هذه المؤسسات إما أنه يطغى عليها الطابع الرسمي الجامد أو أنها لا تعالج همومهم وهموم الناس بشكل مباشر وصريح . وهو أمر قد يعتبر طبيعيا كونها منابر ثقافية ( شبه رسمية ) قد يؤخذ ما يطرح فيها على أنه انعكاس للقرارات الحكومية أو قريب منها على الأقل .

 

ثانيا : يشعر المثقفون بأن جميع الشرائح الإجتماعية في البلاد ممثلة في جهات ومؤسسات معينة ، فللرياضيين نواد خاصة يجتمعون فيها ويمارسون هواياتهم ويتبادلون الآراء حول اهتماماتهم المشتركة . وللتجار والصناع أيضا هناك الغرف التجارية والصناعية التي يجدون أنفسهم فيها . أما المثقفون فإنهم يشعرون بأنهم يفتقدون المكان الذي يجتمعون فيه ، حيث وجدوا في المنتديات الثقافية ملاذا لهم يمكنهم أن يشعروا ولو بدرجة من الإنتماء إليها  . وهنا يميل المثقفون إلى المنتديات الثقافية العامة أكثر من ميلهم إلى المؤسسات الرسمية كون الأولى تعطيهم هامشا أكبر من الحرية . كما ان طبيعة المنتديات غير المرتبطة بأي أطر رسمية تتناغم وطبيعة شريحة كبيرة من المثقفين والذين يميلون إلى التحرر من المواقف المعلبة أو الإملاءات التي قد تفرض عليهم . وهي أيضا ترضي النزعة إلى التمرد عند بعض المثقفين ، حيث لا يجدون في النوادي الأدبية مبتغاهم .

 

ثالثا : وجود حالة من التعطش الثقافي في البلاد . ففي العقود الأخيرة تنامت طبقة واسعة من الذين وصلوا إلى مراتب عالية من التحصيل الأكاديمي ، وهو أمر تستتبعه الرغبة في إكمال جوانب النقص في شخصياتهم ، والتي من أهمها الجانب الثقافي ، وذلك أسوة بأقرانهم في الدول الأخرى . ويرى المثقفون بأن هذه المنتديات تروي ولو جزءا ولو يسيرا من تعطشهم للثقافة ، أو لإظهار ما لديهم من علوم ومعارف اكتسبوها في أروقة الجامعات وبقيت حبيسة الدراسات الأكاديمية وأروقة الجامعات .

 

رابعا : الرغبة في البروز وإثبات الذات لدى بعض التجار والوجهاء الذين تمكنوا من تحقيق ما يصبون إليه ماديا ، ويطمحون إلى تحقيق طموحاتهم المعنوية وتنمية حالة الوجاهة لديهم . وهي رغبة مشروعة خاصة مع بروز شخصيات ورموز -  لا يمكن وصفها بأكثر من ( تافهة ) – فرضت نفسها على المشهد الإجتماعي في البلاد .

 

كل هذه الأمور أدت إلى نمو متصاعد لأعداد ونوعيات المنتديات الثقافية لدرجة أنه يتصادف أحيانا أن يعقد أكثر من منتدى في مدينة واحدة . وقد ألف الأستاذ سهم الدعجاني كتابا ** رصد فيه عشرات المنتديات الثقافية والأدبية في المملكة إن بشكل مختصر أو مفصل . 

 

أهمية المنتديات الثقافية :

1-               تنبع أهمية المنتديات من أنها تسهم في التواصل الثقافي والفكري بين مختلف طبقات وشرائح المجتمع التي قد لا تجد مجالا لهذا التواصل في أي مكان آخر . ورغم أن هذا التواصل غير معدوم بشكل كامل حاليا ، إلا أنه يحصل بصور فردية ومتباعدة في الزمان والمكان ، فتأتي المنتديات لتعوض النقص فيه ، وتسهم في تعرف كل شريحة وجيل اجتماعي على الآخر ،  مما يعني تجسيرا للهوة الثقافية بين الأجيال . وهي حقيقة ملاحظة في المنتديات الثقافية في المملكة .

 

2-               تعزز المنتديات الثقافية من قيمة الثقافة والفكر في المجتمع . ففي مجتمعنا يتم تسليط الأضواء على شرائح اجتماعية معينة كالرياضيين والفنانين والمطربين والتجار ، لكن المثقفين يفتقدون إلى منابر خاصة بهم ، كما يفتقدون إلى من يعطيهم قيمتهم الحقيقية في المجتمع . وغني عن الذكر أن إعطاء قيمة لشريحة اجتماعية يحفز الناشئة على التأسي بها وتقليدها . وتحظى بعض أنشطة المنتديات الثقافية ببعض التغطيات الإعلامية في وسائل الإعلام المحلية وهو ما يحفز على التنافس في الميدان الثقافي والمعنوي وهو بالتأكيد أبقى وأفضل من التكالب على الجوانب المادية أو السطحية في المجتمع .

 

3-               المساهمة في بلورة بعض الأفكار من خلال الإستماع إلى آراء متنوعة في المجتمع حيث تتيح المنتديات الفرصة لمناقشة بعض الأفكار بعيدا عن الرسميات والأطر التقليدية . وفي ظل غياب وجود الإستبيانات واستطلاعات الرأي الإجتماعية ، تبدو المنتديات منابر مناسبة جدا لجس نبض الشارع حول بعض القضايا الجديدة أو الشائكة أو المسكوت عنها في وسائل الإعلام المحلية . كما تعتبر المنتديات فرصة لطرح بعض الأفكار التي قد تبقى حبيسة عقول المفكرين والمثقفين وقد لا يجدون المجال للإفصاح عنها في أي مكان .

 

4-               اعطاء أهمية للحوارات البناءة في المجتمع . فالتواجد في المنتديات مع وجود أنظمة تحكم مسيرة الأحاديث واحترام المتحدث وانتظاره حتى يفرغ من حديثه ، والتحدث فقط عند وصول الدور للمتحدث ، كل هذه الأنظمة والأعراف تعزز من مفاهيم طالما كانت غائبة لدى الكثيرين . كما أن المنتديات تعزز من حالة الإحترام للآخر في الحديث وفي الأفكار وهو من الأهداف الرئيسية للمنتديات .

 

5-               تعزز المنتديات من أهمية الثقافة الشفاهية . فهي تقوم بتأطيرها وإبرازها بشكل حضاري يتسامى فوق الأساليب غير المنظمة في الحوارات مثل بعض الديوانيات الشعبية العفوية والتي يدور فيها الحديث ويتنقل من موضوع لآخر ومن شخص لآخر دون احترام للأساليب الحضارية للحوار .

 

وهكذا فقد يكون عموم المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي في المملكة قد وجدوا في المنتديات الثقافية ضالتهم التي طالما بحثوا عنها . فهي منابر ثقافية مفتوحة ومتواجدة في مختلف الأحياء في المدن السعودية ، ولا يشعر الناس بأي حواجز أو حرج في حضورها . تتيح للكبار كما للصغار ، وللمثقفين ولأشباههم التواجد تحت سقف واحد يستمتعون فيها بالنقاشات الثقافية ويمتعون فيها عقولهم بالعلوم والمعارف النافعة ويتقبل فيها بعضهم البعض الآخر في أجواء بعيدا عن الهموم والانشغالات اليومية إلى حال السمو الثقافي والفكري البناء .

 

* المدير التنفيذي للمنتدى

 ** الصالونات الأدبية في المملكة العربية السعودية .. رصد وتوثيق – الإصدار الأول .

 موضوع نشر  في مجلة الواحة الفصلية .


 

ورحل الأديب الغزال

 

ورحل الأديب الغزال

يوسف أحمد الحسن


 

لا يمكنك أن تلتقي الأستاذ محمد بن عبدالله الغزال دون أن تسمع منه معلومة أو قصة أو بيت شعر جميل. فهذا الرجل الذي فقدناه يوم الأربعاء (الثالث عشر من شعبان 1443هـ) يشدك نحو حديثه الشيق ويتنقل بك من بلد لآخر ومن شاعر لشاعر وحتى من زمن لآخر. لديه ذاكرة حاضرة في مجال الشعر وقصص الأدباء في مختلف العصور، كما يتميز بصوته الرنان الجميل. وما عرفته عنه بحكم المصاهرة مع أقرباء الأسرة أنه كثيرا ما سافر وتنقل من أجل لقاء بعض الأدباء العرب أو الاطلاع على بعض المكتبات حتى غص منزله بالكتب التي ملأت غرفتين منه. ونقل لي صديقي المهندس مصطفى الغزال عن صداقات الأستاذ محمد مع عدد من الأدباء من مختلف الدول العربية من العراق وسوريا ومصر، منهم الأستاذ الكبير فاروق شوشة والأديب ورجل الأعمال عبدالمقصود خوجة الذي كتب فيه عدة أبيات جاء فيها:

قل للحجاز عليك السعد معقود   فقد تميز بالإبداع مقصود

شيخ له في كؤوس العلم قاطبة   من كل ما تنجب الأفكار عنقود

وقد كان -رحمه الله- يروي بعض حكايات لقاءاته مع بعض هذه الشخصيات للمقربين منه.

ورغم أنه لم ينشر شيئا من إنتاجه الأدبي إلا أن له كتابات عديدة في النثر والشعر. وعندما تواصلت مع صهره موفق الغزال عن إنتاجه الأدبي قال بأن لديه الكثير من الكتابات والقصاصات الورقية في دروج طاولته، إلا أنه لم ينشر شيئا منها.

وكان الأستاذ محمد حريصا جدا على اقتناء الجديد من الكتب كما كان يدأب في زيارة معارضها في مختلف المناطق والدول ويعود محملا بما يملأ به حقائب سفره. كما كان يحدث من حوله باستمرار عن لقاءاته بالكتاب والأدباء والشعراء أينما حل وارتحل وعن علاقاته بهم. كما كان -رحمه الله- يسألني دائما عن أعداد مجلة الواحة ويحرص على اقتناء الأعداد الناقصة منها.

وعن جانب آخر من شخصية فقيد الأحساء أخبرني أحد أقرباءه (محمد بن خضر الغريب) بأنه وبعد وفاته اتصلت به إحدى الفقيرات التي كان يتواصل معها لإيصال المساعدات إليها وقالت له بأنها فقدت في ذلك اليوم رجلا عزيزا عليها حيث قالت بأنه كان يقدم المساعدات السخية لها ولأسرتها. وعندما سألها محمد عن اسم ذلك الشخص قالت له بأنه (الأستاذ محمد الغزال)، حيث كان يدأب في تقديم المساعدات لهم سرا لمدة طويلة ودون إخبار أحد بذلك حتى أقرب المقربين له.

ولا نستطيع في أيام فقده سوى أن نقول إن الأحساء قد فقدت علما من أعلامها تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه الفسيح من جنته وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وصدق شاعرنا سماحة السيد عبدالأمير ابن السيد ناصر السلمان حين رثاه بقوله:

تركت لنا الذكرى وإن كنت غائبا كأنك رغم الموت تحكي المواهبا

كأنك حي ما طوى الموت شخصه وما كنت للأجداث بالأمس ذاهبا

فأنت حبيب صادق الوعد طالما  وهبت لنا البشرى قريبا وصاحبا

وكنت أنيسا يعجب القوم قوله  وألفاظك الحسناء تجلو النوائبا

لديك جميع الناس أهلا وإخوة تكرمهم دوما وما كنت غاضبا

تقربهم من جانبيك وتنثني   تسامرهم شوقا فتحلو المتاعبا

بليغ إذا ما قلت قولا بمحفل  فتعجب بالفصحى كراما أطايبا

عزيز تسجي فوق نعش ولم أجد  سوى نادب يشكو إليك المصائبا

ودار لها قد حاصر الحزن عنوة تضم من الآهات فيها النوادبا

خلت من حبيب كان بالأمس بينها تغرب في المثوى وما زال غائبا

لمن يا رفيق الدرب نشكو وليتني رحلت وما أصبحت يا شهم نادبا