الجمعة، 25 مارس 2022

حوار الأديان (6)

 يوسف أحمد الحسن 

إحدى مشكلات حوار الأديان أن بعض إشكالياته العقدية على وجه التحديد لا يمكن أن تحل عن طريق ردود معرفية، أو براهين علمية أبدًا؛ ذلك لأنها مرتبطة بقضايا الإيمان والاعتقاد الغيبي، ولذلك فإنه نادرًا ما تثمر هذه الحوارات عن تحولات عقائدية كبيرة، بل تدور في حلقة مفرغة لا تكاد تخرج منها، وأكثر التحولات العقدية التي نسمع عنها ليست نتيجة حوارات، بل استعداد مبدئي عند المتحول؛ نتيجة وقوعه تحت ظرف ما، أو بسبب تطور سياسي أو موقف اجتماعي حصل له، أو أنها من نتائج ما يسمى الحوارات التلقائية، ولذلك فإنَّ أيَّ حوار ديني يبدأ بالناحية العقائدية سيحكم على نفسه بالفشل، لذا فإنه ينبغي أن نبدأ بأمور أخرى.

فنحن والغرب نعيش اليوم في قرية عالمية صغيرة لا يكاد يمكن لأحد أن يُخفِي فيها شيئًا، وهناك مصالح متبادلة بين الطرفين، فنحن بحاجة إلى علومهم وتقدمهم التكنولوجي لحل مشكلاتنا وجعل حياتنا أكثر سهولة، بينما الغرب يحتاج منا إلى الطاقة وإلى تسويق بضائعه، ومنتجاته، وخدماته لدينا، والإفادة من موقعنا الجغرافي، ورفض الحوار سوف يجعل كلا الطرفين خاسرين.

ويمكن لحوار الأديان أن يناقش عدة أمور على قاعدة المشترك الإنساني الذي تدعو إليه أغلب الديانات مثل الدعوة إلى الأخلاق والفضيلة والخصال النبيلة.

وممَّا ابتليت به البشرية المستوى المخيف من التوجه المادي الذي تسير باتجاهه الحضارة الغربية والذي لا تقبله الديانة المسيحية حتى بشكلها الحالي، ويمكن لأي حوار ديانات مستديم أن يحد من هذا التوجه عبر طرح مقترحات مناسبة يمكن بلورتها لاحقًا كمشاريع عالمية إنسانية تفرض نفسها على صناع القرار في كل مكان.

كما يمكن لحوار الأديان أن يؤثِّر بشكل كبير في التعامل مع الأمراض المعدية والخطيرة والتي تفتك بالعالم ويشترك في الإصابة بها أتباع جميع الأديان، ويمكن أن يساهم الجميع في التقليل من انتشارها مثل مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، فهذا المرض الذي ينتقل عبر عدة طرق لا يمكن كبح جماحه إلا بتضافر الجهود الفردية والجماعية من مختلف الأديان؛ ذلك أنَّ اقتصار التعاون فيه على دين دون آخر يُبقِي المشكلة مفتوحة ومستمرة، وقد سبق أن عقدت عدة مؤتمرات حول الموضوع ضمت أتباع مختلف الأديان، منها مؤتمر لما سمِّي القيادات الدينية، تحت مظلة الأمم المتحدة عقد في القاهرة عدة مرات، وآخر للإعلاميين كان لي شرف حضوره قبل حوالي عشر سنوات، وقد لاحظت في المؤتمر الأخير مثلًا أنَّ الهم مشترك بالفعل بين المسلمين والمسيحيين فيما يتعلق بمرض (الإيدز)، بل إنَّه يستحيل حلها بدون تضافر جهود جميع الأديان؛ لأنَّها مشكلة عابرة للأديان والدول والقارات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق